التحكيم رافعة وطنية

نبيل الجوهري – محكم و وسيط دولي – رئيس انترناشونال كاونسيل لبنان.

عندما نكتب عن التحكيم، كوسيلة بديلة لحل النزاعات، نشير الى خصائصه التي تنعكس ايجابا على مصالح أطرافه، و كيف أن السرعة في فض النزاع، و الخصوصية و الحفاظ على سرية الاجراءات و القرار الذي يصدر عنه، كما القدرة على تنفيذ القرار داخل و خارج الدولة التي صدر فيها، تترجم كلها دعما للمشروع أو العقد. غير أننا لا نتناول البعد المجتمعي و الوطني لهذا النظام الحقوقي الموازي للقضاء.

هذا المقال هو لتسليط الضوء على التحكيم كرافعة اجتماعية و اقتصادية و حتى أمنية، بحيث نتخطى مستوى المشروع الضيق الى نطاق الوطن.

أولا: ماهية التحكيم و أهميته على المستوى الخاص

التحكيم نظام قانوني خاص ذو أعمدة ثلاث: اتفاق التحكيم و هو اما أن يكون بندا (شرطا) تم اعتماده قبل نشوء النزاع، أو عقدا (مشارطة) اتفق عليه بعد نشوء النزاع. يلي هذا الاتفاق اجراءات التحكيم و التي قد تكون حرة يحددها الاطراف بالاتفاق، أو مؤسسية من خلال مركز تحكيمي، تدعمها في الحالتين النصوص القانونية لتؤمن حسن سيرها. و العماد الثالث هو القضاء الوطني الذي يساند و يراقب هذا النظام، و يمنح الصيغة التنفيذية للقرار الصادر عنه. 

اذا التحكيم نظام مكتمل يؤمن لأطراف العلاقة القانونية، عقدية كانت أو غير عقدية، مسارا واضح المعالم ينهي النزاع بينهم خلال وقت وجيز، بعيدا عن المحاكم من خلال محكمين غالبا ما يكونون متخصصين في موضوع النزاع، فيجنبهم الخسائر المادية و التوترات الشخصية التي تنتج عن الانتظار الطويل لتحديد الحقوق و انهاء الخلاف عبر المسار القضائي. و من جهة ثانية يحافظ على السمعة و يحمي المكانة الاجتماعية و الاقتصادية للمتنازعين، خلافا للعلنية التي هي شرط لصحة المقاضاة، ان التحكيم مشروط باحترام الخصوصية و بسرية اجراءاته و عدم نشر قراره بغير موافقة الاطراف. أضف أن السهولة النسبية لتنفيذ القرار التحكيمي تجعل تحصيل الحقوق المقضي بها أسهل و أسرع.

بالرغم من الأهمية البالغة لما تم عرضه من مزايا تجعل التحكيم ملاذا لتحصين و تحصيل الحقوق المالية، و الحفاظ على المكانة الاجتماعية و التجارية، الا أن هذه النتائج لها من الآثار ما يمتد الى مستوى المجتمع ككل، و تجعل من التحكيم لاعبا أساسيا في دعم الاستقرار الوطنى على مختلف الصعد. 

ثانيا: التحكيم رافعة اجتماعية

لا شك أن الوقت الطويل الذي تستغرقه الدعاوى في المحاكم يؤثر سلبا على سلوكيات المجتمع ككل. فناهيك عن اطالة أمد الخلاف و التوتر بين الأطراف، تجد أن المجتمع قد يفقد بغالبيته الايمان بأن اللجوء الى القضاء سيفرض الحقوق بفاعلية و خلال فترة مقبولة. هذا الأمر و دوافع أخرى مختلفة، يؤدي أحيانا عند البعض الى ايجاد حجج و مبررات لتوسيع نطاق مبدأ استيفاء الحق بالذات، مما ينعكس سلبا على الاستقرار العام.

و من ناحية أخرى، ان انتشار ثقافة التحكيم، و معرفة الأشخاص مسبقا بأن عدم الالتزام بالموجبات سيقابل، في العلاقات القانونية التي يجوز فيها التحكيم، باجراءات تحكيمية ملزمة خلال وقت وجيز، من شأنها تعزيز الميل الى احترام الحقوق و عدم المماطلة في تنفيذ الالتزامات. و بالتالي يخلق هذا المناخ مجتمعا تسوده مبادئ احترام الالتزام، و الاستقرار في المعاملات.

ثالثا: أثر التحكيم في التطور الاقتصادي

مدخل القول هو أن التحكيم هو الجاذب الأكبر للاستثمار. فالشركات  يقصيها عن الاستثمار واقع عدم توافر نظام قانوني يحق الحقوق بمعايير شفافة محددة مسبقا، تؤمن الاستقلالية و الحياد،  و بقترات وجيزة. 

و الاقتصاد الوطني لا ينتعش الا من خلال القطاع الخاص، أو الشراكة بين القطاعين العام و الخاص، و هذا الأخير يسعى دوما الى المشاركة في الاقتصاديات و الأسواق التي تؤمن له نظاما حمائيا على مستويي الاستدامة و الأمان المالي. ان الدول التي تجد فيها استثمارات ضخمة هي نفسها التي تتواجد فيها كبريات مؤسسات التحكيم، و هذا ليس مصادفة. و بالتالي يجب على الحكومات كما المجتمعات تكريس و دعم وجود منظومة تحكيمية فاعلة و جاذبة، لما له من عواقب ايجابية على مستوى الوطن.

إضافة الى ذلك، فان تطوير التحكيم كمؤسسة يخلق قطاعا اقتصاديا يؤمن فرص عمل في النظام نفسه كما في القطاعات الموازية التي تفيد و تستفيد منه ومنها خدمات الترجمة القانونية و التكنولوجيا و الاستشارات و غيرها. 

رابعا: التحكيم مؤسسة داعمة في الأمن المجتمعي

ان المناخ الذي يفترض أن يدعمه التحكيم بين أفراد المجتمع، بضرورة الالتزام بايفاء الحقوق و تنفيذ العقود، سيوجد مجتمعا تقل فيه النزاعات، مما ينعكس استقرار في المعاملات بشكل عام. كما أن قيام التحكيم بفض المنازعات سيؤدي الى تخفيف العبء عن المحاكم، و يساعدها للانصراف الى انجاز الدعوى في الأمور التي لا يجوز التحكيم فيها، و أهمها القضايا الجزائية، فتبت خلال فترات أقصر، مما يدعم أمن المجتمع. 

أضف أن تأمين فرص العمل و تخفيف نسبة البطالة، الناتج عن جذب المشاريع الاستثمارية، من شأنه أيضا تحسين الدخل الفردي و الحد من التصرفات و الجرائم التي تضر بالأمن. 

 

هكذا نرى كيف أن التحكيم يتجاوز دوره كأداة تقنية لحل النزاعات، ليظهر أنه جزء من هندسة العدالة و التنمية، و حجر أساس في بناء دولة حديثة تحترم فيها الالتزامات، و يؤمن فيها الأشخاص يحقوقهم، كما يجد فيها المستثمرون بيئة حاضنة و آمنة.

Leave a comment

Your partner in disputes resolution

ICArb seeks being one of the top arbitration centers in the World to serve resolving civil and commercial disputes, at domestic and international levels.