التحكيم بشأن زيادة الرسوم الجمركية
نبيل الجوهري* – لبنان
*محكّم مجاز من منظمة التجارة الدولية WTO – غرفة التجارة الدولية ICC – و مفوضية الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية UNCITRAL.
دراسات عليا في القانون
ليست المرة الأولى التي تقوم بها دولة عضو في منظمة التجارة الدولية “WTO” باتخاذ قرارات بزيادة التعريفات الجمركية ، و تلاقي اعتراضا مبنيا على الادعاء بمخالفة قواعد المنظمة. الأمر عينه نرقبه اليوم، مع قرار الرئيس الأميركي فرض رسوما جمركية على الواردات من عدة دول. ردّت دول ككندا و الصين بتدابير فورية بالمعاملة بالمثل، و لوّحت الصين باللجوء الى لجنة فض الخلافات في منظمة التجارة الدولية.
أولا: نبذة عن منظمة التجارة الدولية “WTO”:
تأسست منظمة التجارة الدولية في العام 1994، كاحدى منظمات هيئة الأمم المتحدة، و التي تهدف الى تسهيل التجارة الدولية و ازالة العوائق ذات الصلة. و يتكون الجسم القانوني للمنظمة من اكثر من ستين اتفاقية، تأتي في مقدمتهااتفاقيات عامة ثلاث، و هي الاتفاقية العامة للتعريفات و التجارة – GATT(الجات) و الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات – GATS(الجاتز) و اتفاقية التجارة المتصلة بالملكية الفكرية – TRIPS(تريبس)، اضافة الى اتفاقية فض الخلافات – DSU.
عضوية المنظمة للدول فقط، و تتخذ قراراتها بالاجماع و الا فبالأكثرية. و تهدف الى خلق مساحة للحوار و النقاش بين الدول الأعضاء، لاتخاذ قرارات متفق عليها فيما يخص تسهيل التجارة الدولية. كما تؤمن مرجعا لفض الخلافات التي قد تنشأ بين الدول الأعضاء فيما يخالف قواعد المنظمة.
ثانيا: دور المنظمة في فض منازعات التجارة الدولية بين الدول:
ان اللجوء الى لجنة فض الخلافات في المنظمة مقتصر على الدول الأعضاء فيها فقط، كما أنه لا يمكن لأي شخص طبيعي أو معنوي في هذه الدول اللجوء اليها الا من خلال دولته. و تشكل اتفاقية فض الخلافات DSU الركيزة الأساسية التي تنظم كيفية حل النزاعات الناشئة عن مخالفة قواعد المنظمة. وهي تركز بشكل أساسي على حث الأطراف على التوصل الى حلول رضائية، فتشترط طلب المشاورات بينهم قبل امكانية اللجوء الى التحكيم و الوسائل القانونية.
مراحل فض الخلافات:
أ- المرحلة الأولى: التشاور Consultation Phase
يتوجب على الدولة المتضررة مخاطبة الدولة المشكو منها، و اخبار ادارة المنظمة كما الدول الأعضاء، طلب بدء مشاورات بهدف التوصل الى تسوية أو حل ودي للخلاف. على الدولة المشكو منها دخول المشاورات خلال عشرة أيام من تاريخ التبليغ. ان لم تثمر هذه المشاورات خلال ستين يوما، يمكن للدولة المتضررة الانتقال الى المرحلة الثانية.
ب- المرحلة الثانية: التحكيم Dispute Panel
في حال فشل التشاور، يمكن للدولة المتضررة الطلب من المنظمة تشكيل هيئة فض نزاع، فيتم تشكيل الهيئة من ثلاثة أو خمسة محكّمين. تقوم هذه الهيئة بتفحص مشروعية الزيادة الجمركية، و الأثر التجاري وما ان تسبب بأضرار على صادرات الدولة المدّعية. على الهيئة أن تصدر قرارها خلال ستة أشهر مبدئيا. لا يكون قرار الهيئة ملزما الا بعد اعتماده (adoption) من الدول الأعضاء في المنظمة، و عدم استئنافه خلال ثلاثين يوما من تاريخ اعتماده.
ج- الاستئناف: كرست اتفاقية حل الخلافات DSU حق الدول الأعضاء أطراف النزاع باستئناف قرار التحكيم الاولي، الأمر الذي لم يكن ممكنا سابقا في ظل اتفاقية الجات. و ميّزت هيئة الاستئناف بشروط يجب ان تتوافر في أعضائها، و أن يتم تعيينهم باجماع كافة الدول الأعضاء. غير أن هذه الميزة الأخيرة كانت عائقا أدى الى عدم تشكيلها لعدة سنوات بسبب عدم اكتمال عدد الأعضاء فيها. ان القرار الصادر عن هيئة التحكيم لا يصبح ملزما الا بعد انقضاء مهلة الاستئناف.
د- تبعات عدم الامتثال:
يحق للدولة المشكو منها، طلب مهلة معقولة لتنفيذ القرار النهائي، على الا تتعدى 12 الى 15 شهرا، و يتم ذلك أمام هيئة مشكلة من اعضاء حاليين أو سابقين في لجنة الاستئناف. أما في حال لم تمتثل، فعلى الدولة المتضررة العودة الى التحكيم، و ذلك للمطالبة بتعويض عن الضرر الذي لحق بها، أو طلب تعليق امتيازات الدولة المشكو منها.
تجدر الاشارة الى أن القرار الذي يصدر عن هيئة التحكيم يجب أن يعرض على كافة أعضاء المنظمة، و أن يحظى بالاجماع كي يعتمد، الأمر الذي كان سببا يعرقل فاعلية هذه القرارات في ظل اتفاقية الجات، الى أن تم اعتماد مبدأ الاجماع السلبي Negative Consensus في اتفاقية حل الخلافات، و الذي يعني أنه يحب الا يعارض عدم تنفيذ القرار أية دولة عضو، و بالتالي أصبح مجرد معارضة الدولة المتضررة لعدم الاعتماد كافيا لفاعلية قرارات التحكيم في المنظمة.
ثالثا: سوابق مماثلة:
تفض معظم الخلافات أمام المنظمة في المراحل السابقة للتحكيم، و ذلك غالبا عبر توصل الأطراف الى تسوية خلال مرحلة التشاور. لكن هناك العديد من الحالات التي لا تثمر فيها محاولات التسوية، و تودي الى طلب تشكيل هيئة تحكيم. سنعرض لحالتين اثنتين وصلتا الى مرحلة التحكيم، للوقوف على فاعلية و جدوى هذه الوسيلة:
أ- الصين ضد الولايات المتحدة 2018:
قامت الولايات المتحدة في العام 2018 بفرض رسوم جمركية اضافية على واردات صينية، فلجأت الصين الى منظمة التجارة الدولية. بعد فشل المشاورات، طلبت الصين تشكيل هيئة تحكيمية، تقدمت أمامها بدعوى معتبرة فيها أن هذه الرسوم تنتهك قواعد اتفاقية الجات، سيما مبدأ MFN، عدم التمييز بين الشركاء التجاريين.
أصدرت هيئة التحكيم قرارها في العام 2020، مؤيدة جزءا من ادعاءات الصين. استانفت الولايات المتحدة القرار، لكن هيئة الاستئناف لم تكن فاعلة بسبب نقص في أعضائها. و بذلك انتهت القضية دون حسم نهائي. و تحول النزاع الى مواجهة اقتصادية بين الدولتين، بفرض رسوم انتقامية.
ب- الاتحاد الأوروبي (المانيا و ايطاليا) ضد روسيا 2016:
فرضت روسيا في العام 2016 رسوما جمركية اضافية على السيارات الأوروبية المستوردة. الأمر الذي اعتبره الاتحاد الأوروبي انتهاكا لاتفاقية الجات. لجأ الاتحاد الأوروبي الى مركز فض الخلافات في المنظمة DSB و باشر اجراءات التشاور مع روسيا، و التي هي شرط قبل الانتقال الى مرحلة التحكيم، لكن دون جدوى. فتم طلب تشكيل هيئة تحكيم.
أصدرت هيئة التحكيم قرارها في العام 2018 لمصلحة الاتحاد الأوروبي، مطالبة روسيا بالغاء الرسوم أو تعديلها وفقا لقواعد المنظمة. امتثلت روسيا بتنفيذ القرار جزئيا، و قامت بتخفيض الرسوم تدريجيا. لكن بالمقابل فرضت شروطا فنية معقدة.
في النهاية، تشكل منظمة التجارة الدولية ملاذا فاعلا لفض الخلافات بين الدول الأعضاء، و الناجمة عن انتهاكات تقليدية كالتمييز الجمركي، غير أنها قد تكون أقل تأثيرا حين يكون الخلاف ذا دوافع سياسية. يبقى الانجاز الأهم للمنظمة توفير منصة للتفاوض و التوصل الى قرارات تهم كافة الدول الأعضاء، و من جهة أخرى توفير الدعم القانوني و التقني من خلال المراحل التي تسبق التحكيم، في التشاور و محاولات التسوية الاتفاقية بين الأطراف، مع تامين وسيلة كحل أخير يتمثل بالتحكيم.


Leave a comment