
الأمور التي لا يجوز التحكيم فيها
Nabil Al Jawhari
International arbitrator
التحكيم هو وسيلة بديلة لحل النزاعات، تهدف إلى توفير الوقت والجهد وتخفيف العبء على المحاكم. ورغم أن التحكيم يُعتبر وسيلة مرنة وقابلة للتطبيق في العديد من النزاعات، فإن معظم القوانين الوطنية والدولية تستثني بعض المواضيع من نطاق التحكيم، إذ يجب أن تبقى تحت اختصاص القضاء الرسمي أو المؤسسات القانونية الحكومية. فيما يلي بعض من هذه الأمور التي غالبًا ما يُحظر التحكيم فيها وفقًا لمعظم القوانين:
1- النزاعات الجنائية: لا يُسمح بالتحكيم في القضايا الجنائية، حيث إن الدولة تملك الحق الحصري في محاكمة ومعاقبة الجرائم وفقًا لقوانينها. القضايا المتعلقة بالجرائم، سواء كانت جرائم قتل أو سرقة أو تهريب، تبقى دائمًا تحت اختصاص المحاكم الجنائية.
2- القضايا المتعلقة بالنظام العام: تشمل هذه الفئة القضايا التي تمس الأمن الوطني أو الاستقرار العام في الدولة. هذه المسائل غالبًا ما تكون محصورة في يد السلطات العامة ولا يمكن تفويضها إلى هيئات تحكيمية، على ان بعض القرارات القضائية تشير الى ان التحكيم لا يجوز في المسائل المخالفة للنظام العام، و ليس كل تلك المتعلقة به.
3- النزاعات المتعلقة بالأحوال الشخصية: في العديد من الدول، تكون القضايا المتعلقة بالزواج والطلاق والنفقة والحضانة تحت اختصاص المحاكم الشرعية أو الأسرية، ولا يجوز التحكيم فيها. تعكس هذه القوانين حماية الأسرة والمجتمع والالتزامات الدينية والثقافية.
4- الإفلاس: يعتبر الإفلاس موضوعًا اقتصاديًا واجتماعيًا معقدًا، وتعد معالجته جزءًا من السيادة الوطنية، حيث يتم تنظيمه من خلال قوانين خاصة وإجراءات محكمة. التحكيم لا يكون مقبولًا في هذه الحالات. و استطرادًا تنص العديد من القوانين على عدم جواز ان يكون المحكم مفلسا ان لم يرد اليه اعتباره.
5- الحقوق العمالية الأساسية: العديد من القوانين تحمي حقوق العمال في عقودهم والتزاماتهم تجاه أصحاب العمل، مثل الحد الأدنى للأجور أو شروط السلامة. التحكيم لا يجوز في النزاعات التي تؤثر على الحقوق العمالية الأساسية المحمية بموجب القانون. و في لبنان مثلا يجوز التحكيم الحر في عقود العمل الجماعية، فيما تبت في نزاعات عقود العمل الفردية مجالس العمل التحكيمية المنظمة بموجب القوانين.
6. الضرائب: لا يجوز غالبًا التحكيم في النزاعات المتعلقة بالضرائب أو الرسوم العامة، لأنها تعد من الموارد السيادية للدولة، ويتم التعامل معها من خلال المؤسسات الحكومية المختصة.
7. القضايا المتعلقة بالعقوبات الدولية: القضايا التي تتعلق بتطبيق العقوبات أو الالتزامات الدولية مثل التجارة الدولية المحظورة أو حقوق الإنسان لا تكون قابلة للتحكيم نظرًا لحساسيتها وتعلقها بالعلاقات بين الدول والمنظمات الدولية.
8. العقود العامة: سابقًا كانت النزاعات المتعلقة بالعقود العامة، خاصةً في مجالات المشتريات الحكومية أو الإنشاءات التي ترتبط بميزانيات الدولة، مستثناة من التحكيم، إذ تُفضل الحكومات أن تكون هذه النزاعات تحت رقابة القضاء لتجنب أي تلاعب في الموارد العامة، غير ان معظم التشريعات اتجهت الى إجازة التحكيم في هذه العقود بعد صدور قرار او مرسوم حكومي.
9- التصرفات العقارية ذات الطابع العام: في بعض التشريعات، يُمنع التحكيم في النزاعات المتعلقة بملكية العقارات العامة أو التصرفات التي تتعلق بالأراضي التابعة للدولة، نظرًا لأنها ترتبط بالموارد العامة للدولة.
10- حقوق الملكية الفكرية في بعض الحالات: على الرغم من أن نزاعات الملكية الفكرية يمكن أن تخضع للتحكيم، إلا أن بعض القوانين تستثني قضايا معينة مثل حقوق الطبع والنشر أو براءات الاختراع التي قد تتطلب رقابة الدولة على حماية الحقوق. وفي هذا السياق تلعب المنظمة الدولية للملكية الفكرية ويبو دورا اساسا في تنظيم و توجيه التحكيم في نزاعات حقوق الملكية الفكرية.
بالنهاية، تبقى هذه الأمور غالبًا خارج نطاق التحكيم للحفاظ على سيادة القانون ولحماية المصالح العامة والخاصة بشكل عادل وفعال. يظل القضاء الرسمي هو الضامن لهذه القضايا، مع التأكيد على أهمية التحكيم في المجالات التجارية والمدنية حيث يمكن أن يوفر حلولًا سريعة وفعالة للنزاعات

Leave a comment