علاقة التحكيم بالقانون الإداري

نبيل الجوهري*

التحكيم هو وسيلة بديلة لتسوية النزاعات تتميز بالمرونة والسرعة مقارنةً بالإجراءات القضائية التقليدية. على الرغم من ذلك، فإن علاقته بالقانون الإداري تبقى معقدة وتثير جدلاً قانونياً كبيراً، بخاصة في النظم القانونية التي تفصل بين القانون الخاص والقانون العام.

القانون الإداري، يُعنى بمصلحة الدولة والمال العام، وهو ما يفرض ضوابط وإجراءات خاصة تختلف عن تلك التي تحكم العلاقات الخاصة بين الأفراد. فالعقد الإداري يحتوي غالباً على شروط وأحكام تهدف إلى حماية المصلحة العامة، ويخضع لإشراف ورقابة القضاء الإداري. هذا يجعل اللجوء إلى التحكيم في النزاعات الناشئة عن العقود الإدارية مسألة حساسة.

تاريخياً، كانت هناك تحفظات بشأن إمكانية التحكيم في العقود الإدارية بسبب المخاوف من التعدي على مبدأ سيادة الدولة أو الانتقاص من الحماية القانونية للمال العام. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تطوراً في هذا المجال، حيث بدأ المشرعون في العديد من الدول، من ضمنها لبنان مع القانون ٤٠٤/٢٠٠٢ و من ثم قانون الشراء العام، كما قانون تشجيع الاستثمار و اتفاقيات الاستثمار الثنائية و الاقليمية و الدولية، في اعتماد تشريعات تسمح بالتحكيم في بعض العقود الإدارية، بشرط ضمان رقابة قضائية صارمة.

لكن، على الرغم من هذا التطور، فإن هناك قيوداً مهمة. في العديد من الأنظمة القانونية، بما فيها الفرنسية الى حد بعيد، تجهد لاستبعاد التحكيم في بعض أنواع العقود الإدارية التي تتعلق بالمرافق العامة أو تلك التي تتضمن التزامات مالية ضخمة. في هذه الحالات، يُعتبر أن المصلحة العامة تقتضي الخضوع للقضاء الإداري، الذي يملك خبرة متخصصة في تفسير وتطبيق القانون الإداري.

علاوة على ذلك، هناك جدل حول مدى استقلالية التحكيم عندما يكون طرفاً فيه جهة حكومية. إذ قد يتعرض المحكمون لضغوط غير مباشرة أو يشعرون بضرورة مراعاة مصلحة الدولة على حساب الطرف الآخر، مما يثير تساؤلات حول عدالة وحياد إجراءات التحكيم في هذه الحالات.

مع كل هذه التعقيدات، يبقى التحكيم وسيلة فعالة لحل النزاعات في العقود الإدارية، خاصةً في المشاريع الكبيرة التي تتطلب سرعة في تسوية النزاعات ومرونة في الإجراءات. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تطوير إطار قانوني واضح يوازن بين متطلبات التحكيم وحماية المصلحة العامة، من خلال وضع ضوابط تضمن الشفافية والعدالة في إجراءات التحكيم الإداري، مع الحفاظ على استقلالية المحكمين.

ختاما، يمكن القول إن علاقة التحكيم بالقانون الإداري تعتمد على التوازن بين ضرورة حماية المصلحة العامة وبين الحاجة إلى آلية فعالة وسريعة لحل النزاعات. هذا التوازن يتطلب فهماً عميقاً لكلا النظامين القانونيين ومرونة في تطبيق المبادئ القانونية بما يخدم مصلحة جميع الأطراف المعنية.

*محكم دولي مجاز من غرفة التجارة الدولية باريس- رئيس المجلس الدولي للتحكيم انترناشونال كاونسيل لبنان- محكم في غرفة تجارة بيروت و مركز التحكيم الرياضي- زميل مفوضية الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية اونسيترال- عضو نقابة المحامين الدوليين لندن بصفة محكم دولي- دراسات عليا في القانون.

Leave a comment

Your partner in disputes resolution

ICArb seeks being one of the top arbitration centers in the World to serve resolving civil and commercial disputes, at domestic and international levels.