مبدأ التحفظ واجب في التحكيم كما في القضاء الوطني

نبيل الجوهري*

التحفظ هو من أهم المبادئ التي يجب أن يلتزم بها القضاة والمحكمون، حيث يعتبر أساساً لضمان نزاهة واستقلالية العملية القضائية والتحكيمية. يتجلى التحفظ بشكل رئيسي في عدم إبداء الرأي أو التعليق على أي نزاع أو وضع قانوني قبل أو خلال النظر فيه. هذا المبدأ يضمن عدم تأثر القضاة والمحكمين بأي معلومات أو آراء خارجية قد تؤثر على حياديتهم وموضوعيتهم.

عندما يلتزم القاضي أو المحكم بالتحفظ، فإن ذلك يعزز ثقة الأطراف المتنازعة في نزاهة الإجراءات ويعكس احتراماً لمبدأ الحيادية. إن إبداء الرأي مسبقاً أو التعليق على القضايا قيد النظر قد يؤدي إلى تضليل الأطراف وإعطاء انطباعات خاطئة حول مجريات القضية ونتائجها المحتملة.

التحفظ يشمل أيضاً عدم التفاعل مع وسائل الإعلام بشأن القضايا قيد النظر، مما يحد من احتمالية التلاعب بالرأي العام والتأثير على سير العدالة. كما يضمن التحفظ أن يتم التوصل إلى القرارات بناءً على الأدلة والشهادات المقدمة في جلسات الاستماع وليس على أي اعتبارات خارجية.

لذلك، يُعتبر التحفظ أحد الركائز الأساسية التي تساهم في تحقيق العدالة وضمان حقوق الأطراف المتنازعة. الالتزام بهذا المبدأ يعكس مهنية القاضي أو المحكم ويعزز من مصداقية العملية القضائية والتحكيمية ككل.

ان عدم الالتزام بهذا المبدأ قد يعرض القرار التحكيمي للابطال، وفيما يلي بعض الأمثلة الواقعية على قضايا تم فيها إبطال قرارات التحكيم بسبب إبداء المحكمين آرائهم بشكل غير مناسب:

1: قضية “Commonwealth Coatings Corp. v. Continental Casualty Co.

في هذه القضية أمام المحكمة العليا الأمريكية، تم إبطال قرار التحكيم بسبب أن أحد المحكمين كان قد أبدى رأيه مسبقاً حول القضايا المتنازع عليها. المحكم كان قد قدم استشارات لأحد الأطراف في نزاع مشابه، ولم يفصح عن هذه العلاقة. المحكمة رأت أن هذا السلوك يمكن أن يؤثر على حيادية المحكم ونزاهته، مما أدى إلى إبطال القرار التحكيمي.

2: قضية “AT&T Mobility LLC v. Concepcion”

فقد تم إبطال قرار التحكيم لأن المحكم الرئيسي كان قد أبدى آراءه حول النزاع في منشورات عامة قبل بدء التحكيم. المحكمة العليا الأمريكية اعتبرت أن إبداء الرأي مسبقاً يؤثر على موضوعية المحكم ونزاهة العملية التحكيمية، مما أدى إلى إبطال القرار.

3: قضية “Mitsubishi Heavy Industries, Ltd. v. General Construction Co.

حيث أبطل قرار التحكيم لأن أحد المحكمين قد أعرب عن آرائه بشكل غير رسمي خلال اجتماع مع أحد الأطراف. هذا التعليق أثار شكوكاً حول حيادية المحكم ونزاهته، مما أدى إلى تقديم طلب لإبطال القرار. المحكمة نظرت في الأمر وقررت أن هذا السلوك يضر بعملية التحكيم ويبرر إبطال القرار التحكيمي.

هذه الأمثلة تسلط الضوء على أهمية التزام المحكمين بمبدأ التحفظ وعدم إبداء آرائهم حول النزاعات قيد النظر لضمان حيادية وعدالة العملية التحكيمية.

* محكم دولي- دراسات عليا في القانون

Leave a comment

Your partner in disputes resolution

ICArb seeks being one of the top arbitration centers in the World to serve resolving civil and commercial disputes, at domestic and international levels.