أهمية التحكيم في لبنان
المحامية صابرين الموسوي
ماستر في قانون الأعمال
محكم مساعد co-arbitrator في انترناشونال كاونسيل بيروت
يظن البعض أن مصطلح التحكيم نظامٌ جديدٌ تطور مع العصر الحديث، والحقيقة أن التحكيم يعتبـر مـن أقـدم الوسـائل التـي ابتكرهـا الإنسـان لفـض مـا قـد ينشـأ بينـه وبـين الآخريـن مـن منازعـات بعيداً عن محاكم الدولة. فجوهر فكرة التحكيم واحدة سواءً في النظم القديمة أم الحديثة، بمعنى أنه يهدف إلى تحقيق مدى شرعية ادعاءات الخصوم حول مسألة معينة، حقاً كانت أو مركزاً قانونياً معيناً، عن طريق طرف ثالث يتفقان عليه.
واقع التحكيم في لبنان
مع تطـور الأنظمة الاقتصادية والاجتماعيـة وتسـارع التطـورات الإداريـة والتنظيميـة، ومع نمو التجارة الدولية والتطورات التكنولوجية، وانتشار عقود التجارة الدولية، وغيرها من العقود الجديدة ظهـر التحكيـم كآليـة فعالـة يمكن للأطراف من خلالها حل خلافاتهم بشكل سريع وعـادل وفعـال، مـع تمتعهم في ذلـك بمرونـة وحرية لا تتوافر عـادة في المحاكم.
ولبنان لم يبق بعيداً عن هذا التطور المحيط به، بل واكب هذا التطور العالمي في بعض النواحي، حيث دخل ساحة المنافسة وحذا حذو الدول المتقدمة، ممتلكاً نصوص تشريعية واضحة وصريحة نظمها المشترع اللبناني في المواد 762 إلى 821 من قانون أصول المحاكمات ّ المدنية، وقد كان من أول الدول التي ميزت في نصوصها بين التحكيم الداخلي والتحكيم الدولي، حيث خصص القسم الأول من الباب الأول في الكتاب الثاني للتحكيم من قانون أصول المحاكمات المدنية للتحكيم الداخلي، والقسم الثاني للتحكيم الدولي. كما وقد وقّع لبنان على العديد من الاتفاقيات العربية والإقليمية والدولية الخاصة بالتحكيم.
والجدير ذكره، أن مراكز التحكيم في غرف التجارة باتت ظاهرة منتشرة في كافة الدول ومن بينها لبنان الذي يضم عدة مراكز ومؤسسات تحكيمية بارزة، مثل مركز بيروت للتحكيم الدولي والمجلس الدولي للتحكيم انترناشونال كاونسيل، لأن الغاية الأساسية من انشاء هذه المراكز القانونية هي الإسراع في إيجاد الحلول للمنازاعات بين مختلف الشرائح التي ينتمي اليها رجال الأعمال، مما يساهم في تطوير الحركة التجارية وتوطيد الثقة بين الأطراف بعيداً عن هدر الوقت.
ميزات نظام التحكيم
تظهر أهمية نظام التحكيم من خلال ميزاته التي تجعله من أكثر الوسائل الناجحة
في حسم المنازعات بين الأطراف من قبل شخص واحد أو أكثر (المحكمون أو هيئة التحكيم) والتي تصدر (قرار التحكيم) دون اللجوء إلى محاكم الدولة، فالتحكيم قضـاء خاص يقـوم بأداء وظيفته بشكل لا يختلـف عن وظيفـة الـقضاء، إلاّ أن التحكيم يختلف عنه كونه ينبع من اتفاق الخصوم، في حين أن قضاء الدولة هو سلطة عامة تتولى الدولة تنظيمها لإرساء العدالة والاستقرار والأمن في البلاد فيستمد القاضي سلطته من هذه الدولة، والقرار الذي يصدره المحكّم بعد ذلك لا يختلف في جوهره عن الحكم الصادر عن قضاء الدولة.
وقد اختلف فقهاء القانون حول الطبيعة القانونية للتحكيم ومدى اعتبارها طبيعة تعاقدية أم قضائية. والرأي الراجح يعتبر أن التحكيم ذو طبيعة قضائية، لأن المحكّم يستند الى اتفاق التحكيم المعقود بين الفرقاء. والمحكّم لا يمثل قضاء الدولة ولا تنطبق عليه جميع قواعده، إنما تنطبق عليه قواعد مستمدة من اتفاق التحكيم، مما يضفي عليه طبيعة ذاتية مستقلة.
من جهة أخرى، يتميز التحكيم بإلزامية الحكم الصادر عن المحكم، ويتمتع هذا القرار بالحجية التي تمنع إمكانيةعرض النزاع الذي صدر بشأنه حكم التحكيم على القضاء مرة أخرى. إضافةً إلى ذلك يتميز التحكيم بكونه القضاء الأكثر مرونة، والأقل علانية، والموفّر للوقت والجهد والمال.
وعلى الّرغم من أن التحكيم يعتبر بديل لحل المنازعات بين الأطراف، فإّنه غير مستقل بشكل تام عن قضاء الدولة لأن اتّفاق الفرقاء على حل نزاعاتهم عن طريق التحكيم ونزع الاختصاص من المحاكم العادّية لا يعني أبداً أّنه لا دور للقاضي الوطني في عملية التحكيم. وفي ظل هذه الحقيقة يتدّخل قضاء الدولة من أجل المعاونة فقط.
التحكيم الالكتروني
لا يخفى على أحد، إّن موضوع التكنولوجيا بصفة عامة هو موضوع الساعة دون جدال، فهو موضوع يهّم جميع دول العالم بصفة عامة والدول التي تسعى الى التطور بصفة خاصة. وامام هذا التطور المتسارع في عالم الاتصالات أصبحت وسائل الاتصال السريعة هي الوسيلة المثلى في إنجاز الصفقات التجارية بما أتاح ظهور التجارة الإلكترونية التي من أهم ما يميزها عن التجارة التقليدية الوسيلة التي تمر بها أو عن طريقها، حيث تتم من خلال بيئة إلكترونية تستخدم فيها وسائل الاتصال الحديثة وعلى رأسها شبكة الإنترنت. وأمام عجز طرق تسوية النزاعات التقليدية عن تأمين وسائل مناسبة لحل منازعات التجارة الإلكترونية تتلاءم مع متطلبات تلك التجارة القائمة على السرعة والثقة بين أطرافها غدت الحاجة ملحة للبحث عن سبل أكثر مرونة، فكان التحكيم الإلكتروني السبيل الأفضل كونه ينشاً عن اتفاق بين الأطراف على إحالة النزاع القائم بينهم عبر شبكات الانترنت دون حاجة إلى التواجد المادي لهم أثناء عملية التحكيم، كما أن القرار الذي يصدر نتيجة التحكيم يتم عبر وسائل الاتصال الحديثة.
خلاصة
وعليه، إن للتحكيم أهمية لا تقل أهمية عن قضاء الدولة، وستكون وسيلة العصر القادم
بدون منازع. والتحكيم لم يعّد مجرد وسيلة مقترحة لحل المنازعات وحسب وانما أصبح اليوم ضرورة اقتصادية لا غنى عنها، لا بل ومن الحوافز لرجال الأعمال والاستثمار الأجنبي، وعاملاً مميزاً من عوامل التنمية الاقتصادية.ولعل أول ما يجب العمل عليه لتفعيل التحكيم في لبنان هو نشر ثقافة التحكيم، فالكثير من الشعب اللّبناني لا يعلم حتى ما معنى كلمة “تحكيم” مما يستلزم ضرورة تفعيل البيئة الثقافية في البلد ونشر ثقافة التحكيم كخطوة أولى على درب التطوير والتقدم.

Leave a comment